أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

 بزبز يكتب: التعليم الدامج في الأردن.. من حق التعليم إلى صناعة المستقبل

مدار الساعة,مناسبات أردنية,الملكة رانيا العبدالله
مدار الساعة ـ
حجم الخط

كتب: الدكتور محمد يوسف حسن بزبز

سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي

يشهد التعليم الدامج في الأردن تحولًا نوعيًا غير مسبوق، انتقل به من إطار المبادرات المحدودة إلى منظومة وطنية متكاملة تقوم على التشريعات والتخطيط الاستراتيجي وبناء القدرات وتطوير البيئة المدرسية، بما يضمن حق جميع الطلبة، وخاصة ذوي الإعاقة، في تعليم عادل وشامل يراعي الفروق الفردية ويكفل تكافؤ الفرص.

لم يعد الدمج مجرد وجود الطالب في الصف العادي، بل أصبح نظامًا تربويًا متكاملًا يهدف إلى تهيئة البيئة المدرسية، وتكييف المناهج، وتأهيل المعلمين، وتوفير الخدمات المساندة، لتحويل المدرسة إلى مساحة حاضنة للتنوع، لا طاردة له.

وقد شكل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 نقطة تحول حقيقية، حين انتقل من كونه نصًا قانونيًا إلى أداة تنفيذية فاعلة عبر الإطار الوطني للدمج والتنوع في التعليم المعتمد عام 2022، ليصبح مرجعًا وطنيًا يضمن حقوق الطلبة في جميع المدارس، ويعزز مبادئ العدالة التعليمية والإلتزام بحقوق الإنسان.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول، إذ التحق أكثر من 32,500 طالب وطالبة من ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية الدامجة خلال العام الدراسي 2025–2026، موزعين على 1520 مدرسة في مختلف المحافظات. كما تم استحداث عشرات الصفوف المتخصصة، وتوفير آلاف المعلمين المساندين والأخصائيين ومقدمي الرعاية، إلى جانب دعم المواصلات اليومية والمعينات التعليمية للطلبة الأكثر احتياجًا.

ولم تكتف المدارس الأردنية بالتهيئة الشكلية، بل انتقلت إلى تهيئة بيئية شاملة في مئات المدارس النموذجية، شملت المرافق المدرسية والتكنولوجيا المساندة، لتوفير بيئة تعليمية آمنة، يشعر فيها الطالب بالقبول والانتماء، ويتلقى الدعم الأكاديمي والنفسي الذي يمكنه من التعلم بثقة واستقلالية.

ويظل المعلم حجر الزاوية في نجاح التعليم الدامج، لذلك ركزت الاستراتيجية الوطنية على تدريب وتأهيل آلاف المعلمين والأخصائيين، إلى جانب إطلاق مشروع الأكاديمية الوطنية للتعليم الدامج، التي تهدف إلى منح رخصة المعلم الدامج وضمان جودة الأداء واستدامة التطوير المهني.

ومن الناحية التربوية، يسهم التعليم الدامج في تعزيز العدالة التعليمية، وتنمية المهارات الاجتماعية، وترسيخ قيم التسامح، وتوفير تعلم متمايز يخدم جميع الطلبة دون استثناء، كما يعزز ثقة الطلبة بأنفسهم، ويقوي شعورهم بالانتماء والاستقلالية.

وتلعب التكنولوجيا والخدمات المساندة دورًا محوريًا في تمكين الطلبة، من خلال برامج تحويل النص إلى كلام، وأجهزة التواصل البديلة، وخدمات العلاج الوظيفي والنطقي، بما يسهل الوصول إلى المنهاج ويرفع جودة الحياة المدرسية.

ورغم التحديات القائمة، مثل بعض المواقف الثقافية السلبية والاكتظاظ الصفي في بعض المدارس، فإن الجهود الوطنية مستمرة عبر حملات التوعية، ونشر قصص النجاح، والتوسع في تعيين المعلمين المساندين، لضمان عدالة جغرافية في تقديم الخدمات.

وتتجه الرؤية الوطنية نحو عام 2030 لبناء نظام تعليمي دامج شامل ومستدام، يركز على الطفولة المبكرة، والتعليم المهني، والانتقال الكريم من التعليم إلى سوق العمل، انسجامًا مع التزامات الأردن الدولية ورؤيته الملكية.

لقد أصبحت تجربة الأردن في التعليم الدامج نموذجًا عربيًا رائدًا، يقوم على تشريعات فاعلة، وإطار وطني قائم على حقوق الإنسان، واستراتيجية واضحة، وشراكات وطنية ودولية، وبرامج تدريب مستمرة، ليغدو التعليم الدامج مشروعًا وطنيًا لصناعة مستقبل أكثر عدالة، وتنوعًا، وإنسانية.


مدار الساعة ـ